نذير حمدان

300

حكمة القرآن والحضارة

3 - جمالية العلاقات : ومنها : أ - التناسبية : وهي حكمة الملاءمة والمناسبة تربط الحكمة بمسألتها والعلة بمعلولها والسبب بمسببه واللازم بملزومه من حيث إنها تنبهنا إلى تعلقات خاصة بعينها . إذ لو لم تكن الحكمة كذلك لما ارتبطت بمسائلها الخاصة بها ، وهو تعلق عقلي محض ، وعقلي محسوس فإن جمالية التناسب الظاهر والضمني يتملاه العقل بإدراكه ، ويتذوقه الوجدان بإحساسه ، وإذا كان للمعلول أو المحكوم أكثر من علة وحكمة أو بالعكس ازداد إدراكا وتألقا ، يستوعب الواجبات والممكنات والمستحيلات وبخاصة حين يكون عقليا محسا مثل جمالية الموجودات التي تسري فيها حكمة اللّه فإن التناسب بين أجرامها تجعل الموجودات تنطق برواء التناسب والتناسق والإبداع . إن أبرز العناصر الجمالية هي التناسب بين الأشياء في الألوان والأحجام والمقاييس ، وهي وإن توزعتها الأشياء والأجرام فإن ذوقيتها العقلية والوجدانية قادرة على إدراك هذه الجمالية . إذ لا تقل الجماليات العقلية ومنها التجريدية روعة وبهاء عن الجماليات الذوقية والطبيعية التشكيلية ، وإذا كانت حكمة التناسب مسألة واحدة من ( علم المناسبة ) فإنها القاعدة الأساسية لإدراك العلاقة العقلية ، ومن ثم التأثر والتأثير الجماليين ، ذلك أن اضطراد الصلة المعنوية بحيث تتلاءم ولا تتنافر ، وتتضام ولا تتباين يمنح ( انشراحا ) عقليا إقناعيا و ( استحبابا ) نفسيا متولدا عن هذا الانشراح ، و ( ارتياحا ) حياتيا ناشئا عن الانشراح والاستحباب . وعموما فالجمال الفكري في رأي ( هيغل ) ( 1831 ) هو بروز الفكرة المحسوسة ، والفكرة هي مضمون الفن ، والتصوير المحسوس التخييلي شكله ، وهو ينشد عقلانية الواقع الداخلية ، ويصل إلى مستوى الذهن المطلق . . . وإذا كان ( بول سوريو ) في مقدمة الجماليين في كتابه : الجمال العقلي فإنه يظهر إعجابه بالآثار القديمة ويشغف بالجمال الذي يعده كشف المدركات الإلهية . .